الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

145

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إنّ القوة الرمي » قالها ثلاثا ، أي أكمل أفراد القوة آلة الرمي ، أي في ذلك العصر . وليس المراد حصر القوة في آلة الرمي . وعطف رِباطِ الْخَيْلِ على القوة من عطف الخاصّ على العام ، للاهتمام بذلك الخاصّ . والرباط صيغة مفاعلة أتي بها هنا للمبالغة لتدلّ على قصد الكثرة من ربط الخيل للغزو ، أي احتباسها وربطها انتظارا للغزو عليها ، كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « من ارتبط فرسا في سبيل اللّه كان روثها وبولها حسنات له » الحديث . يقال : ربط الفرس إذا شدّه في مكان حفظه ، وقد سمّوا المكان الذي ترتبط فيه الخيل رباطا ، لأنّهم كانوا يحرسون الثغور المخوفة راكبين على أفراسهم ، كما وصف ذلك لبيد في قوله : ولقد حميت الحي تحمل شكّتي * فرط وشاحي إن ركبت زمامها إلى أن قال : حتّى إذا ألقت يدا في كافر * وأجنّ عورات الثغور ظلامها أسهلت وانتصبت كجذع منيفة * جرداء يحصر دونها جرّامها ثم أطلق الرباط على محرس الثغر البحري ، وبه سمّوا رباط ( دمياط ) بمصر ، ورباط ( المنستير ) بتونس ، ورباط ( سلا ) بالمغرب الأقصى . وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا في سورة آل عمران [ 200 ] . وجملة : تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ إمّا مستأنفة استئنافا بيانيا ، ناشئا عن تخصيص الرباط بالذكر بعد ذكر ما يعمّه ، وهو القوة ، وإمّا في موضع الحال من ضمير وَأَعِدُّوا . وعدو اللّه وعدوهم : هم المشركون فكان تعريفهم بالإضافة ، لأنّها أخصر طريق لتعريفهم ، ولما تتضمنه من وجه قتالهم وإرهابهم ، ومن ذمّهم ، أن كانوا أعداء ربّهم ، ومن تحريض المسلمين على قتالهم إذ عدّوا أعداء لهم ، فهم أعداء اللّه ؛ لأنّهم أعداء توحيده وهم أعداء رسوله صلى اللّه عليه وسلم لأنّهم صارحوه بالعداوة ، وهم أعداء المسلمين ، لأن المسلمين أولياء دين اللّه والقائمون به وأنصاره ، فعطف وَعَدُوَّكُمْ على عَدُوَّ اللَّهِ من عطف صفة موصوف واحد مثل قول الشاعر ، وهو من شواهد أهل العربية :